ربما … أشعر فقط

 

بين صباح ومساء، كانت عيناه تسابق الشمس حيناً وتتخلف عنها أحياناً. كان يحثها على قطع المسافات الضوئية قبل أن يتذكر عمره المسرع فيستمهلها. تتباطأ عيناه كما خطواته.


أصبح للزمن بعد آخر. السلحفاة تعمر لأنها بطيئة؟ ولكنه يشعر بالبطء ودنو الأجل. أصبح يقتصد بالكلام، يوفر الجهد وكأنه يقتصد المال ليوم آخر. ألا يمكن ادخار الجهد كما الأموال ليأتي يوم ويبذخ على نفسه ببذل الجهد؟

مهلا إنها أفكار أقرب إلى الهلوسة، يسائل نفسه، هل بدأ بالخرف؟ هل هي أسئلة ليس إلّا لتنشيط العقل والمخيلة أم غير ذلك.

إنها الوحدة، لو كان معه من يحدثه، من يشاركه أيامه وأفكاره، لما كان بحاجة لسؤال نفسه هكذا أسئلة. نعم إنها الوحدة التي كان ألفها طويلاً تبدو الآن وكأنها تخلت عنه. إنها الوحدة التي كان يلجا إليها في غضبه وحزنه، تلك الوحدة التي لم تكن تشكو تذمره وتأففه، بقيت معه بعدما تركه الجميع. ظن انها لن تتركه، ولكن ها هي الآن تشعره بالضعف بالتعب بالملل والهلوسة.

نعم إنها لوحدة منذ البداية، لولاها لما تركه من تركه، وها هي تتركه عندما أصبح بلا رفيق او مؤنس، تتركه مريضاً. مهلاً إنه المرض. المرض هو الذي طرد الوحدة، المرض دخل طرفاً ثالثاً في علاقة ثنائية، فلم تطق الوحدة دخيلاً يشاركها… ربما.


“أين أصبحت الشمس؟ تبدو اليوم وكأنها سلحفاة. أشعر بالتعب والمرض والعجز… أو ربما أشعر فقط… بالوحدة…”.

لصوص الهيكل لم يتغيروا ولن ينصلحوا يا شربل

الوزير شربل نحاس قبل ساعات من تسلم رئيس الحكومة استقالته

عندما قال دعوا الفقراء يأتون إلي لم يكن يساوم ولم يكن يحسب حسابا سوى لتلك الوجوه الكالحة المتعبة، هو ابن الله للبعض وهو نبي للبعض الآخر وهو فيلسوف وثائر لآخرين، لكن هذا كله لم يقه الصلب او ما شبه له. انهم دوما لصوص الهيكل ويسوع نفسه صلبوه فهل ستكون أقوى ممن أحيا الموتى؟!!!!

شربل نحاس الذي اصطفاه الرئيس الراحل رفيق الحريري ليكون مستشارا في مشروع إعادة إعمار بيروت ، تمرد على الحريري الأب لأنه رفض التفريط بحقوق المالكين الأصليين رغم المغريات ، ترك الجمل بما حمل ومضى حاملا قناعاته بكف نظيف. لم يفارقه هاجس الحقوق والفقراء فيما كان يراهم يزدادون عددا والأغنياء يزدادون غنى. وتصوّر للحظة أن تكتلا يحمل اسم التغيير والإصلاح يمكن أن يحقق تطلعاته التغييرية. آمن كالكثيرين بأن ذلك العماد الذي تمرد على العالم ذات يوم لن يخيب أمله .

وثق الرجل بأن هناك من يحميه ويحمي إحساسه بالإنسان والمواطن لا بالتابع والمتحزب. عمل جاهدا دقق في الاوراق والوثائق فتح الملفات سأل عن كل شيء حتى أصبح سئيلا لا بل أصبح حملا ثقيلا وهم أضعف من أن يتحملوا، إنهم لصوص الهيكل. لن نستعرض ما أنجزه ولن نعدد ولن نقول أكثر من شكرًا على خطأ وخطيئة ارتكبهما ابن حارة حريك ، العماد الذي أتى بـ”رفيق” الى تكتله لأن لهذا الرفيق خبرة ودراية بما كان يجري خلال العشرين سنة الماضية.

الجنرال ميشال عون أخطأ حين أتى بوزير غير مستزلم ليكون ضمن جوقة الطرب والإطناب وزير لا يشبه آخر في التكتل ولا يشبهه أحد في الحكومات، وزير سرق قلوب الكثيرين من أهل البيت العوني وقدامى المناضلين الذين يحنون لصورة العماد العنيد في قصر بعبدا.

أما الخطيئة فهي أنه تخلى عن هذا الوزير تحت مسميات الواقعية السياسية وضرورة التكيف مع الأوضاع وهو ما لم يكنه عون يوما وما انتزع شعبيته إلا لأنه كان هكذا.

بين الخطأ والخطيئة بين رئيس للبلاد أقسم على صون الدستور يقول ان وزير يتمسك بالأصول القانونية يشكل عقبة ورئيس حكومة “طائفية” يظن ان الطائف جعله الحاكم بأمره ولا يرضى بوزير مشاغب بين مليشيات وطوائف وتجار مصالح لن تجد نفسك يا شربل مكانك هنا بيننا.

بحثا عن وصاية جديدة في لبنان

كان يحلو للبعض في لبنان أن يفاخر بإيمانه بمقولة “الشرعي والضروري والمؤقت” في إشارة إلى الوجود العسكري السوري في بلاد الأرز. واحتار البعض في التطبيل والتزمير لهذا الوجود وتبريره، بين أن اللبنانيين ما يزالون قصرا عن إدارة شؤونهم بأنفسهم. وبين قائل أن الوجود العسكري للبلد الشقيق أقل كلفة من تجهيز الجيش اللبناني.

نحن لن نخوض في النوايا السورية الحقيقية وإن كان بعضها القديم قد أُعلن في أكثر من مناسبة تاريخية كـ”لبنان كان جزءاً من سوريا وسنستعيده بالقوة”. وعلى هذا المنوال الكثير من الكلام الذي يعرفه أصدقاء عبد خدام في لبنان.

سنكتفي بالإشارة إلى تصريح خطير لصديق لبنان الكبير جاك شيراك عندما زار لبنان بدعوة من صديقه الراحل الرئيس الشهيد رفيق الحريري حيث قال من مجلس النواب اللبناني “أن الوجود السوري في لبنان مرتبط بحل أزمة الشرق الأوسط”. كنت ربما واحدا من قلة ممن انتفضوا واستشاطوا غضبا من هذا الكلام. ولكن للكلام مبرر فقد كان هناك من يعوِّل على الجيش الشقيق لنزع سلاح “حزب الله” في أي تسوية مقبلة وبالتأكيد ليس لمواجهة إسرائيل، لأن دمشق لطالما احتفظن لنفسها بحق الرد على الإعتداءات الإسرائيلية ولكن في التوقيت الذي تختاره لا الذي تُستدرج إليه!!!

وعندما صدر القرار 1559 الهادف بحسب واضعيه إلى نزع سلاح المقاومة الإسلامية في لبنان. وهو ما كان وزير الخارجية الأميركية الأسبق كولن باول قد طلبه من القيادة في دمشق في مايو أيار عام 2003. سوريا التي وبعد جردة حسابات الربح والخسارة خلصت إلى أنها بتجريد حزب الله من سلاحه تخسر آخر أوراقها ولا تكسب شيئا، فانتفضت وتمنعت على الطلب الأميركي الغربي. إنها المصلحة الوطنية التي حتمت هذا الموقف بالنسبة لنظام البعث.

واليوم وفي ما يسعى البعض الى تولي سدة الحكم في دمشق، يرى البعض في عواصم أخرى أن المرتجى من النظام المقبل هو ما كان مامولا من نظام بشار في ما يتصل بالقضية الأهم بالنسبة للغرب وربيبته إسرائيل: نزع سلاح حزب الله، بعدما فشلت كل المحاولات حتى الآن.

بالنسبة لبعض اللبنانيين وبحسب المضمر والمعلن من القيادات السورية، التي تحظى بحظو ودعم واشنطن والغرب من جهة وقاعدة أيمن الظواهري من جهة أخرى، الفرصة سانحة فلنركب موجة النظام الموعود في دمشق والذي يمكن أن يعيدهم إلى السلطة ولو بقوة الجيش نفسه الذي تدخل سابقا في لبنان.

في لبنان كنا نرفض دوما تدخل السوريين في شؤوننا الداخلية، وهذا ينطبق على جميع اللبنانيين في فترات متفاوتة، وكنا نرفض تغليب طرف على طرف والحظوة التي كان يحظى بها بعضهم بفضل رشوة من هنا وقد تصل إلى حدود قصر في باريس مثلا. وها نحن اليوم نتدخل بالشأن السوري دعما لهذا أو ذاك، البعض يراهن على سقوط النظام للاقتصاص من خصومه هنا، والبعض يراهن على بقاء النظام لمحو آخر أثر سياسي هنا أيضا. طالب البعض بسفير سوري لتثبيت التعامل بمنطق الدولة والندية ولكنهم الآن يتمنون لو يطردون هذا السفير!!! إنها لمهزلة تتعلق بالرؤيا السياسية.

بغض النظر عمن سيربح الرهان، الأكيد أن النهاية في دمشق ستكون بداية لشيء جديد في لبنان وأحدهم سيدفع الثمن.

بحثا عن وصاية جديدة لمن اعتاد الأوصياء، هكذا يمكن اختصار المشهد في لبنان. إنهم يحلمون بعودة العسكر وأمرك سيدنا