انشغل العالم بمتابعة المجازر التي يرتكبها النظام الليبي بحق أبناء الجماهيرية الذين انتفضوا بعد ثورة تونس ومصر والحراك في اليمن والبحرين والجزائر. إنها الصحوة العربية على ما يصفها البعض فيما تصفها الأنظمة المهددة بأنها حركات انقلابية مقادة من الخارج وشباب مهلوس وعميل إلى آخر التهم الجاهزة. إنها الصحوة التي دفعت الأنظمة إلى تعليق العمل بحالات الطوارئ المعمول بها منذ سنوات طويلة لا تحسبا من عدوان خارجي بل تخوفا من ثورات داخلية.
انشغل بعض العالم أو أريد له أن ينشغل بالحديث عن مؤامرة أميركية على حلفاء واشنطن في المنطقة، والمروجين لهذه النظرية يريدون الإيحاء بأن لا قدرة لشعوبنا على صنع مستقبلها من دون استزلام أو وصي عملا بما جرت عليه العادة. مروجو هذه النظريات لم يجدوا سوى المواقف الأميركية المتأخرة للدلالة على دور أميركي داعم للثورات، إلا أن هؤلاء لم يقرأوا ما كتبته الدوائر الأميركية نفسها عن التخبط والحيرة التي أصابت واشنطن بعدما أغدقت مليارات الدولارات على هذا النظام الذي تطوع للدفاع عن إسرائيل ولو على حساب شعبه.
ولكن لا بد من الإقرار بأن ما يحصل هو النسخة العربية من الفوضى الخلاقة التي روج لها قبل سنوات مدير معهد واشنطن “روبرت ساتلوف” مستلهما إياها من كتاب “الرأسمالية والاشتراكية والديموقراطية” لجوزيف شامبيتر (1883-1950)، ولكن ساتلوف وهو أحد المنظرين في صفوف المحافظين الجدد لم يخطر بباله أن هذه الفوضى ستطال أول ما ستطال الأنظمة الحليفة للغرب ولواشنطن تحديداً. كانت الكلمة الفصل في تحديد الفوضى واتجاهاتها لأبناء هذه الأرض، المنشغلين حاليا بترتيب شؤونهم الداخلية ليتفرغوا لاحقا للقضايا الكبرى وفي مقدمها قضية فلسطين التي انشغل عنها هؤلاء بتحصيل لقمة العيش وانتظار اللحظة المناسبة لاستعادة حق تقرير المصير الذي خطف على أيدي حفنة من اللصوص كانوا يحظون بدعم المجتمع الدولي وتنويهه.
إنها الفوضى الخلاقة المبدعة التي لم تترك الفرصة للقيادة الإسرائيلية حتى الآن لالتقاطالأنفاس. ها هي مصر وتونس وليبيا ومن سيأتي بعدها تشهد رفع الشعارات المنادية بالقدس. وما تمسك القيادة العسكرية المصرية بالمعاهدات الدوالية إلا مرحلة انتقالية بانتظار انتخاب برلمان جديد ستكون له الكلمة والموقف من قضية فلسطين.
انها الفوضى الخلاقة التي تأتي بعد انتصار حزب الله وصموده في حرب تموز 2006، الشعلة التي أكدت إن الإرادة تصنع النصر، وسقطت نظريات استحالة مقاومة المشروع الأميركي وضرورة انتظار مشيئته لرسم آفاق مستقبل المنطقة على قاعدة إسرائيل والنفط أولوية مطلقة. في المنطقة شعوب لديها برامجا الخاصة ومشاريعها القابلة للتحقيق رغما عن ممانعة أو رفض واشنطن لها. عندما نبهت بعض القيادات الإسرائيلية إلى ان نتائج حرب تموز ستكون لها آثار كارثية على المنطقة استخف البعض بهذا الكلام، وتابعت القيادة المصرية ضغوطها “لإطلاق سراح” الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط متناسية آلاف الفلسطينيين العرب في السجون الإسرائيلية، لا بل سمحت مصر بإعلان الحرب الإسرائيلية على غزة في مؤتمر صحافي عقد في القاهرة. يوم قال الأمين العام لحزب الله أن إسرائيل إلى زوال سخر البعض واستخف البعض الآخر. ولكنها هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية من حذر إسرائيل من أن الظروف لم تعد لمصلحتها من مأزق الديمغرافيا إلى مأزق التكنولوجيا والإعلام التي بات الخصم يتقن لعبتها. ها هي التكنولوجيا تطيح بأنظمة حليفة كانت حارسة للحدود الإسرائيلية.
ولأن نصرالله كان من أطلق شعلة النصر والتغيير يصبح السؤال الأهم والأكثر خطورة لماذا غُيِِّب من كان فكره أساسا في ولادة حزب الله بعد سنوات؟ لماذا غُيِِّب من مكان إيقونة ومثالاً للسيد حسن؟ ألم يكن السيد موسى الصدر صاحب شعار “إسرائيل شر مطلق”، ألم يكن هو من أسس مجلساً لمذهب لم يكن له كيان مستقل في لبنان؟ ألم يكن السيد موسى الصدر أول من دعا إلى حماية المسيحيين في لبنان حفاظا على الصيغة اللبنانية؟ ظن النظام الليبي ومن حاك المؤامرات أنه بتغييب الصدر تنتهي القضية ولكن أمين عام حزب الله وبعد سنوات وقع تفاهما مع الزعيم المسيحي الأول العماد ميشال عون ساهم في حضن المقاومة وأهلها، ما أسهم في جعل النصر أمراً ممكنا بوجود من يحمي ظهر المقاومة وطنياً، بمواجهة أصوات كانت تصفهم بالمغامرين وتدعو إلى محاسبتهم وترفض وقفا لإطلاق النار حتى نزع السلاح المقاوم، وهو السلاح الذي قال عنه الدر “إنه زينة الرجال” الرجال الذين سيدافعون عن الأرض والعرض. غُيِِّب الإمام الصدر ولكنهم لم يستطيعوا أن يحولوا دون تحقيق النصر الذي كان الصدر ملهمه.
